الافتراضي ومفارقة المعاصرة في فنون مابعد الحداثة

مقدمة

   أحدث التحول الرقمي رجة عنيفة في عالم التشكيل، أدت إلى حدوث مفارقات جمالية، لفنون مابعد الحداثة، التي أعلنت نهاية الحداثة وكسرت الحدود بين الأجناس الفنية، وألغت الحدود بين الخيال والواقع ليتحول العالم إلى لعبة رموز وشيفرات بل بيكسلات ، كما فتحت الباب على مصراعيه أمام مفاهيم ورؤى أضاءت دروبا جديدة للإبداع الفني يصعب تصنيفها، وعبارة “مفارقة المعاصرة” في عنوان البحث، تتخذ أبعاداً تفسيرية عديدة، فهي تشير إلى جماليات مابعد الحداثة في الزمن الحاضر والمعاصرة هنا تمثل إحدى المفارقات،  فكل ما بعد حداثة هو معاصر من حيث الزمن،  لكن ليس كل معاصر هو ما بعد حداثة، لأن المعاصرة مفهوم أوسع وتشمل أيضاً اتجاهات حداثية متأخرة أو حتى كلاسيكيات ما زالت تُمارس اليوم. و”المعاصرة” تدل على الزمن بينما “مابعد الحداثة” تدل على مصطلح فلسفي جمالي  محدد. والمفارقات المعاصرة في فنون مابعد الحداثة تمثلها أشغال بعض الفنانين الذين قاموا بدمج الماضي البعيد أو الحديث مع ماهو مابعد حداثي جمالياً واستعانوا بإمكانيات الافتراضي أو الرقمي بغاية إنتاج المعنى عبر مفهوم معين .

إذا قمنا برصد إمكانات فنون ما بعد الحداثة وبين الافتراضي وإمكاناته الإبداعية، نجد  أن فنون مابعد الحداثة قد طوعت الافتراضي لغاياتها المابعد جمالية الغرائبية المنفلتة، لأجل خلق حدث فني تشكيلي له واقعه الخاص وشروطه الخاصة في مسعى يتمثل في كسر الحدود التقليدية للفن وإعادة تعريف علاقته بالمتلقي والفضاء والزمن، حيث انطلقت فنون ما بعد الحداثة من نقد السرديات الكبرى كما طرحها ليوتار، وتفكيك البنى الجمالية والمعرفية على نحو ما أوضحه دريدا، ومن مقولات المحاكاة عند بودريار، ولجأت إلى وسائط متنوعة مثل الكولاج، فن التجميع، الفيديو آرت وفن الأداء، مستندة في ذلك إلى إعادة إنتاج المعنى عبر التفكيك والتناص واللعب بالمفارقات. وقد تجلى ذلك في أعمال مثل لوحات روبرت راوشنبرغ التي جمعت بين الصورة المطبوعة واللوحة التشكيلية، ، فضلًا عن تجارب مارينا أبراموفيتش في فن الأداء التي جعلت من المتلقي مشاركًا في بناء المعنى، أو فنون بانكسي التي نزعت عن الفضاء العام صفة الحياد.

أما الافتراضي، فقد ساعد في تأسيس مجالات جمالية لامتوقعة، ووفر بيئات رقمية محاكية للواقع أو متجاوزة له بصفته تفاعليا، لامادياً،  قابلًا للتحول المستمر في اللازمان واللامكان. كما يفتح الافتراضي أفقًا لا محدودًا للإبداع عبر الذكاء الاصطناعي والفن التوليدي، مثل أعمال رفيق أناضول التفاعلية، التي توظف البيانات الضخمة لإنتاج “جمالية الغامر” تغمر المتلقي ضمن مجموعة مؤثرات كالموسيقى والروائح والتحول المرئي لمساحات افتراضية، إنه عالم الميتافيرس السحري.

وبذلك يتضح أن مسارات فنون ما بعد الحداثة المعاصرة، لاتكف عن اللعب بالمفارقات والسخرية، استحضار التناص الثقافي على فضاءات متنوعة ومتعددة وربما هجينة ومنها الواقع الافتراضي الذي تنشؤه إلى مالانهاية.

 سنتعرض في هذا البحث إلى مثالين أحدهما،  الفنان السوري” تميم عزّام” في عمله التشكيلي ” قبلة الحرية” لغوستاف كليمت 2013م، وقد جسد مفارقة جمالية على أطلال مدمرة من أثر الحرب التي أنهكت الإنسان وهدمت تحصيناته الذاتية والموضوعية، بين عالم يحتضر وعالم يفتقد الحلم. فقد وضع لوحة كليمت على جدران مبنى تركته الحرب وقد نزعت عنه كل وظائفه الحياتية، بين الحياة والموت مفارقة وبين الألوان المتضادة مفارقات الأشكال، بين الواقعي الرمادي والأمل بالحب.

  تمثلت تلك النقلة للافتراضية التشكيلية بعدة محاولات أو ممارسات تشكيلية، تجاوزت تصورات الفنان التشكيلي الجمالية والتقنية والفلسفية والثقافية،  بالانتقال من فضاء مادي إلى فضاء لامادي، إمكانية التجريب اللانهائي ” مافوق- واقعي” حيث يغدو الافتراضي أكثر واقعية من الواقع حسب قول بودريارد، لنجد بعض الفنانين قد اعتمدوا تقنية الاستنساخ الافتراضي للعمل التشكيلي الفعلي من أجل النشر الواسع النطاق عبر الشبكة العنكبوتية وهذا مانفعله نحن على مواقعنا الالكترونية، الذي يحول العمل التشكيلي الفعلي إلى عمل افتراضي بمجرد وضعه على الشبكة العنكبوتية، بالتالي هو قابل للاستنساخ اللانهائي من جهة الفنان أو غيره، كما نجد تجارب أخرى اعتمدت الفضاء السيبراني فقط وأعمال فنية أخرى مزجت بين لوحة مرسومة وصور افتراضية على مساحة واحدة مع عرض اللوحات فعلياً داخل رواق أو متحف، مايعني حركة ارتدادية إلى الواقعي، أي عرض غير الواقعي واقعياً.

يبرز لدينا أيضاً ” فاروق أناضول” الذي ينحت البيانات الرقمية على أبنية تاريخية، فيحرك ذراتها المتحولة دائماً ويمنحها الحياة ولو افتراضياً، فالافتراض حياة أخرى كما قال بيير ليفي. فهل العمل الفني الافتراضي عمل تقني فحسب؟… “عندما ظهرت أولى الصورعلى الحاسوب اعتبرها البعض على التو صورا ذات حمولات جديدة من دون أن يحددوا ما إذا كانت جدتها تتعلق بالإبداع الفني المحض أم بالتقنية.”[1] مع ذلك تم اعتبارها أعمال فينة رغم أنها أعمال تقنية بحتة.

إن الانتقال والتحول إلى تكنولوجيات الصورة الرقمية في عالم الفن التشكيلي، أتاح إمكانية إنتاج صورة  رقمية أو افتراضية وكلمة افتراضي لا تحيل فقط على الرقمي وإنما على تقنيات ومبادئ صياغة العمل الفني ، “ولا بأس أن نذكر ها هنا بخاصيتي هذه الصور: إنها محسوبة ومحصاة رياضيا من طرف الحاسوب وقادرة أيضا على التفاعل أو لنقل التحاور مع مبدعيها ومتلقيها. وإذا كانت بعض هذه الصور مثل تلك المسماة Synthesis أي تركيبية والتي توظف في الأفلام لا تتفاعل مع المشاهد فإن طرق صنعها قد تنوب عنها في ذلك، ويجب علينا أن نميز بين نوعين من الصور الرقمية… صور يتم وصفها والحصول عليها وتحليلها رياضيا بواسطة منظومة الخوارزمية وصور يتم الحصول عليها بواسطة صور تقليدية متوفرة مسبقا رسومات، فوتوغرافيات وفيديوغرامات الخ.. ففي هذه الحالة فإنها تتحول إلى موضوعات رقمية مما يمكنها من المعالجة والضبط بواسطة الحاسوب”.[2]

إذاً: لماذا هي مفارقة ومفارقة معاصرة ؟..وماهي تداعيات ولوج الفن التشكيلي في الافتراضي الجمالية؟…

المراجع:

– أسئلة النقد في الإبداع الرقمي، ترجمة عبده حقي: عرض إدموند كوشو، الأدبية، طنجة https://www.aladabia.net/article-422-1_

[1] –  أسئلة النقد في الإبداع الرقمي، ترجمة عبده حقي: عرض إدموند كوشو https://www.aladabia.net/article-422-1_1

 

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page

X