برز الفينيقيين كأول من حول الكتابة من الصورة الرمزية إلى المقطع الصوتي، أي تم استعمال الصور في ترتيب معين لتصبح كلمة أو كلمتين أو جملة، والحروفيون هم أول من حول الحروف إلى صور، فلم يعد الحرف دالاً بحكم صلته بحروف أخرى، كما لم يتم رسمه كاملاً في كثير من الأحيان ، بل اكتفى الفنان بتضخيم مساحة الحرف وتفكيكه ليتحول إلى عنصر تشكيلي، يتم توليفه داخل العمل الفني ” من هنا فإن الكشف عن أهميته ( كبعد)وليس (كموضوع) يصبح بالتالي هو بيت القصيد، وذلك لأن القوام الحقيقي للحرف هو الحركة والاتجاه، فإن أمكن ظهوره كشكل ما، كمساحة فإن بيئته الأساسية هو الخط أي أزل البعدين”[1]، أجل فهو كخط لا ينفك أن يكون أسير الطول والعرض، لكن تلويناته المتحررة من كل نظام، تكون عالماً شعرياً صرفاً، نتيجة انسياب أعداد مهولة للحروف، تؤلف مع بعضها قصيدة بصرية ذات مضامين جليلة.
إن التجربة ليس لها حد أبداً، ولن تكتمل ولن تأتي بالجديد، لأن أفق التصورات مرتبط بما هو محدود ومعروف مسبقاً ، غير أن تمثلات الحرف تبدل آلية التظاهر في كل مرة يتم استخدام جزء منه أو بديل عنه، مايسوغ لقبول جدلية النظام والمخاطرة، حيث يشكل القبول، الشرط نفسه للمخاطرة التي لاتتحقق دون أن تضع النظام موضع التساؤل في الأخير، نظام تعبيري حديث ومعاصر آفاقه حرة.
بالرغم من أن “نجا المهداوي” يُصنف من الحروفيين إلا أننا لا نكاد تمييز حرفاً عربياً واحداً في أعماله. فأسلوبه يعتمد أثر الحرف وليس الحرف. فلو تمعنت في الأشكال التي يرسمها تجدها عبارة عن تخطيطات تكاد تقترب من رسم الحرف ولكنها تمر بانسياب أنيق دون أن تكوّن أي حرف معروف وهي توحي بالتشكيلات الحروفية ولكنها ليست حروف مكتوبة.
لا يندرج الانمحاء الدلالي في الحروفية العربية ضمن منطق نفي الشكل أو المعنى، بل يُفهم بوصفه توجه أو نهج جمالي واعٍ، يعيد صياغة الموروث الزخرفي الخطي من مقروء إلى بحث بصري لايطلب القراءة بل الرؤية، وينقل مجالات التأويل من الدلالة اللغوية، المغلقة حول المعنى إلى الدلالة التشكيلية المفتوحة. فحين يُنزَع الحرف من سياقه أو يجرد من شكله المتعارف عليه باختزاله في ترددات خطية فقط ، ليفقد وظيفته الإحالية المباشرة من أجل اكتساب جمالية جديدة نابعة من حضوره المادي، يكون قد تحول إلى اللاحرف اللغوي المعروف بالاحتفاظ: بخطه، امتداده، انكساره، إيقاعه، وثقله داخل المجال البصري. هنا يصبح الحرف المجرد من خصائصه حاملًا لطاقة رمزية وروحية، تتجاوز المعنى المعجمي نحو أفق تأملي يتقاطع مع مفاهيم الصمت، الغياب، والأثر. ومن هذا المنظور، يشتغل الانمحاء الدلالي كفعل انزياحي، يُحرّر الحرف من وظيفته التواصلية ليعيد إدماجه في نظام تواصلي آخر أي ضمن نظام جمالي مستقل، حيث يتأسس المعنى على مستوى الحسّ والبصر والحدس.
فهم “ألبير كامي” العملية الابداعية على أساس أنها تَقَبُل ثم تمرد، يوافقه على ذلك وليم جيمس برأيه” علينا أن نحتفظ بنوافذ الذهن مفتوحة، أي أن نقاوم الآراء مهما كانت سديدة ونتمرد على المعتقدات مهما كانت صحيحة، شريطة أن لا تكون المقاومة للمقاومة نفسها ولا يكون التمرد للتمرد نفسه، بقدر مايكون حافزاً على متابعة البحث ومجالاً للاقتراب أكثر من الحقيقة”[3]
ملاحظة: هذه المقالة جزء من بحث ( التضمين البصري للزخرفة الخطية في التشكيلي المعاصر).
المراجع:
[1] – داغر( شربل) الحروفية العربية ، فن وهوية، (بيروت، لبنان، 1990م)، ص143.
[2] – مصدر الصورة كتاب الحروفية العربية ، شربل داغر.ص177.
[3] – عوض( رياض)، مقدمات في فلسفة الفن، ط1(لبنان ، بيروت 1994م)ص19.