يمثل الانزياح “L’écart” كمفهوم إجراءً، يكاد يكون حتمياً في الفن التشكيلي، لأن الانزياح يؤدي ويولد الأسلوب أو الاتجاه وتعدد القراءات والدلالات، “فالانزياح كما في دلالته اللُّغوية خروج عن المألوف والمعتاد، وتجاوُزٌ للسائد والمتعارف عليه والعادي، وهو في الوقت نفسه إضافةٌ جمالية يمارِسها المُبدِع لنقل تجرِبته الشعورية للمتلقي والتأثير فيه، ومِن ذلك لا يُعَد أيُّ خروج عن المألوف وتجاوُزٍ للسائد وخرقٍ للنظام انزياحاً إلا إذا حقَّق قيمةً جمالية وتعبيري”[1]. تعددت صيغ ومعاني التعبير عن مفهوم الانزياح والمصطلحات المسندة إليه، ما يجعلنا نتساءل عن انزياحات الخط العربي الأسلوبية في زمن نشأته وتطور أساليبه و الحروفية التي أنشأت نصوصاً، لم تؤسسها حروف، وإنما ما يشبه الحرف لتتناهى إلى مساحات مخططة ومرسومة كأنها مساحات مكتوبة، لأن الفنان هنا اكتفى بصورة مساحة النص أي الحيز الذي يشغله النص، دون اعتبار لمقروئيتة أو العلامات التي وضعها على لوحته، جعلها تقرب اللغو بفوضاه اللغوية، لغو تشكيلي وربما هلوسات تعبيرية، خطاً ولوناً على مساحات حارة وباردة. لكن الانزياح الدلالي ذو عدة مستويات ( الشكل ، التكوين، التأليف، اللون، المضمون)وهو دائما الابتعاد عن القواعد كلياً أو جزئياً.
” ومن هنا ، فإن الاكتشاف المعاصر للخط كحرف وكبعد هو بدوره استمرار غيبي لعقلية فنان متجاوز لذاته وواقعه النسبي في سبيل أن يستقصي أصوله من جذوره وأن يطور إبداعه عبر ثماره: عقلية فنان مؤمن وكوني”[2]ويتسائل شاكر حسن آل سعيد هل نستطيع أن نعبر عن المعطى الروحي بواسطة الحرف فقط، بالاستماع إلى أبعد نبض للطبيعة في العالم عبر حواسنا.
هنا نتحدث عن التخلي عن الخط العربي كمكون لنص مقروء والتمسك بذاكرة الحرف شكلانياً، أي نسبية تواجد شكل الحرف الأصلي، الذي يؤدي إلى جوهر لغرض تأملي، فالنظرة العامة ستكون إزاء التكوينات الخطية التقليدية، كما قال ” شاكر حسن آل سعيد في البعد الواحد” نظرة مستقبل على ماض” وهو يتفق مع والتر بنيامين في قوله ” لن تعيدوا أبداً تركيب الماضي بحواضر، مهما تكن” لن تنقلني الصورة غير المشروطة مجدداً إلى الماضي، إلا إذا مضيت أبحث عنها في الماضي بالضبط”[5]، لكننا عند البحث في اللوحات الخطية المقروءة وغير المقروءة في الفترة العثمانية، نلمس انزياحاً دلالياً حيث طغى الروكوكو العثماني، الذي يتمثل في المبالغة بزخارف وابتكارات التصميمات الخطية آنذاك، التي لم تتجرأ على تجاوز المقروئية أو القواعد العامة لتأليف وتكوين اللوحة الخطية. إلا ضمن قواعد وهندسة القواعد الزخرفية ذاتها. لاعتباره زخرفة خطية ، تتواجد على شكل أشرطة أو دوائر أو شبكات.
تبدي اللوحات الخطية المعاصرة تجاوزاً في أنماط توظيف الحرف العربي، فقد تم تحطيم البناءات الزخرفية التقليدية لصالح اللوحة التشكيلية مع الاحتفاظ بالتكرار والإيقاع كتردد زخرفي يأخذ اتجاهاً واحداً عمودي أو أفقي، مثل رسائل الفنان ضياء العزاوي التشكيلية، فالحرف والكلمات والحروف الملغزة والغامضة والمتوارية والمتراكبة والمتراكمة، أصبحت مكون العمل التشكيلي كما يقول هو” أجد ان الحرف ليس هو كل شيء ، إلا أنه عنصر من عناصر اللوحة،…….الحرف عندي يكمل اللوحة، الحرف لا يحضر، إذن، لذاته، بكامل شكله، وبصورته الخطية الموروثة، بل يحضر لغيره”[6]
يُضمِنُ ضياء العزاوي لوحاته حروفاً وكلمات، انتزعت من إطارها القديم ليصوغه كعنصر تشكيلي متعدد الحضور والتجلي.
يتطور الدفق التعبيري لدى الحروفيين بالغاً أقصى التجريد، فتختفي الدلالة ويختفي أثر الحرف ويختزل إلى علامة وربما أثر خط .
[2] – داغر( شربل) الحروفية العربية فن وهوية، ص148.
[3] – بن جدو( عامر) تونس Ameur ben jeddou – Tunisia، ولد عام 1954م/ معلم تعليم ابتدائي متقاعد وخطّاط/ بدأ دراسته للخطّ العربي في أواخر شبابه اعتمادا على بعض الكراسات التعليمية، ثم واصل دراسته تحت إشراف الخطاط محمّد ياسين مطير/ سنة 2006 حصل على الجائزة الثالثة في المسابقة الوطنية للخطّ العربي (الخطّ الكوفي القيرواني)/ كانت له مشاركات في مسابقات إرسيكا و حصل مرتين على جائزة في الخط الكوفي القيرواني/ سنة 2008 أعدّ محاولة لتقعيد الخطّ الكوفي القيرواني انطلاقا من بعض كتابات الخطاط علي ابن أحمد الورّاق/ وبين يديه الآن كراس تعليمي متكامل تمت طباعته سنة 2015 بعنوان :” قواعد الخط الكوفي القيرواني”/ شارك في عدة ملتقيات ومعارض في الداخل والخارج/ في رصيده :عشرات اللوحات/ آفاقه: إثراء مكتبة الخط العربي بتجربة جديدة تجمع بين الأصالة والتجديد. المصدر المعرض الافتراضي الدولي لفن الخط العربي، https://callihealing.com/2020/10/18 /
[4] – بن جدو( عامر) المعرض الافتراضي الدولي لفن الخط العربي، https://callihealing.com/2020/10/18 /
[5] – دولوز( جيل) البرغسونية، تعريب أسامة الحاج،ط1، ( بيروت ، لبنان 1997م) ص61.