كتب ميرلو- بونتي:

“والإسقاط المنظوري هو إسقاط مسطح لا يؤدي دائماً إلى الاهتداء إلى الشكل الحقيقي للأشياء، ولا ينبغي بالتالي أن يكون هو القانون الأساسي للتصوير”[1].

“يستلهم مارلو- بونتي  فلسفة ديكارت ومالبرانش، لكنه ينتهي إلى غير ماانتهى إليه كل من ديكارت ومالبرانش”.

   تحمل تلك العبارة، رؤية نقدية وفلسفية عميقة تجاه مفهوم “المنظور” في الفن التشكيلي. لشرح هذه الفقرة وتبسيطها، يمكننا تفكيكها إلى ثلاثة أفكار رئيسية:أولها“الإسقاط المنظوري هو إسقاط مسطح”فالمنظور (Perspective) في جوهره هو “خدعة بصرية” أو تقنية رياضية وهندسية تُستخدم لتمثيل عالم ثلاثي الأبعاد (فيه عمق وفراغ) على سطح ثنائي الأبعاد (مسطح مثل لوحة الرسم أو الجدار). وتنبهنا تلك العبارة وتذكرنا بحقيقة أن المنظور، مهما كان متقناً، هو مجرد عملية تسطيح وتحجيم للواقع داخل إطار مستوٍ، قد يمثل الأشياء لكنه “لا يؤدي دائماً إلى الاهتداء إلى الشكل الحقيقي للأشياء”لأن المنظور الكلاسيكي (الذي يعتمد على نقطة التلاشي وخط الأفق) يلتقط الأشياء كما تراها العين البشرية من زاوية واحدة ثابتة وفي لحظة واحدة، وليس كما هي عليه الأشياء في “حقيقتها المطلقة”.

  • مثال: إذا نظرتِ إلى طاولة مربعة من الجانب، فإن المنظور يفرض عليكِ رسمها بأضلاع غير متساوية وزوايا منفرجة وحادة لتبدو “واقعية”. لكن في “الشكل الحقيقي” للطاولة، الأضلاع متساوية والزوايا قائمة، لذلك، المنظور يقدم “حقيقة بصرية مؤقتة خاضعة لعين المشاهد”، ولا يقدم “الحقيقة البنيوية أو الجوهرية للشيء”.

ثانياً: “ولا ينبغي أن يكون هو القانون الأساسي للتصوير”

هذا الجزء هو جوهر الموقف النقدي في العبارة، وهو يتطابق مع الفلسفة التي بنيت عليها المدرسة التكعيبية ومدارس الفن الحديث (مثل أعمال بيكاسو وبراك) التي حررت الفن والتصوير التشكيلي من التقيد الهندسي والتسجيلية، وأوضحت أنه أوسع بكثير من مجرد محاكاة آلية أو هندسية للواقع مع التأكيد على حرية الفنان في تناوله للفضاء التصويري، حيث يرسم الفنان مايعرفه عن الشيء أو مايشعر به تجاهه، مؤكداً من خلال ممارساته التصويرية على البعد الروحانيـت الذي ميز الفنون الشرقية القديمة، والفن الإسلامي، والأيقونات البيزنطية، وفنون الحضارات القديمة ( كالفن المصري)، حيث لم يكن هناك منظور هندسي، كان الحجم يحدد وفقاً” للأهمية والمكانة المعنوية” للشيء او الشخص وليس لبعده عن العين.

إذن، تطرح المقولة السابقة لمارلو- بونتي إمكانيات أخرى لتمثلات الموضوع أو الفكرة التشكيلية، نستغني فيها عن استخدام المنظور الهندسي، الذي وضعته الفلسفة الظاهراتية (الـ Phenomenology) للتأمل والنقاش والبحث، وتحديداً عند الفيلسوف الفرنسي موريس مارلو-بونتي (Maurice Merleau-Ponty) في كتابه البديع “العين والعقل” (L’Œil et l’Esprit)، حيث ينقد المنظور، كـ موقف فلسفي يختزل الوجود”. كيف عالج ذلك؟…

إن جملة، الإسقاط المنظوري كـ “إسقاط مسطح وآلي” تدل حسب مارلو- بونتي أن المنظورالذي تأسس في عصر النهضة الإيطالية) ليس طريقة طبيعية للرؤية، بل هو “تقنية اصطناعية هندسية”. فالمنظور يفرض أن هناك عيناً واحدة، ثابتة، ومتحجرة في مكانها تنظر إلى العالم كأنه مشهد مسرحي معزول عنها.بينما في الواقع، نحن لا نرى العالم كعقول منفصلة تراقب لوحة مسطحة،  نحن نرى العالم لأننا “أجساد تتحرك داخله”. الرؤية بالنسبة له هي تجربة حركية وحسية متشابكة، والمنظور يُفرغ العالم من هذا الدفق الحيوي ويحوله إلى خطوط هندسية جافة على سطح مسطح.

أيضاً، لماذا “لا يؤدي إلى الاهتداء للشكل الحقيقي للأشياء”؟ لأن مارلو-بونتي، يفترض أن”الحقيقة” ليست معادلة رياضية أو إسقاطاً هندسياً.فالمنظور يقدّم ما يسميه مارلو-بونتي “العقل العملياتي” (L’esprit opérationnel)، وهو العقل الذي يريد السيطرة على الأشياء وقياسها ورسمها من الخارج.

لكن “الشكل الحقيقي” أو “الوجود الخالص” للشيء (كالتفاحة عند سيزان مثلاً) لا يكمن في أبعادها الهندسية، بل في حضورها المادي، ملمسها، ثقلها، وكيف يشعر بها جسدنا وعيننا في الفضاء. المنظور، عبر محاولته “ترويض” العمق وتحويله إلى خطوط متلاشية، يقتل سرّ الشيء وعمقه الحقيقي بدلاً من إظهاره. كما أن منظور الحجم الدائري، يبعث ويثير تساؤلات عن كنه وجوهر المنظور وهل يستطيع ان يكون قاعدة عامة لدراسة كافة العناصر الطبيعية والصناعية الموجودة حولنا؟..

اللوحة رقم 2:اسم اللوحة: “طبيعة صامتة مع تفاح (Nature morte aux pommes)
 الأبعاد الأصلية للوحة سيزان: هي 35.2 × 46.2 سنتيمتر.
الصور 1-2-3- تفاحات سيزان،  سيزان كان يفضل رسم لوحات الطبيعة الصامتة (وخاصة التفاح) على مساحات قماشية (Canvases) صغيرة إلى متوسطة الحجم، ليتمكن من التحكم بدقة في ضربات الفرشاة وبناء الكتل الهندسية المتداخلة التي كان يدرس من خلالها فلسفة الرؤية والعمق.

–          “لا ينبغي أن يكون هو القانون الأساسي للتصوير”

هنا ينحاز مارلو-بونتي بالكامل إلى الفنانين (وخاصة الرسام الفرنسي بول سيزان) في مواجهة العلماء والفلاسفة الديكارتيين.فالرسم عند مارلو-بونتي هو فعل وجودي، لأن الفنان لا ينقل العالم عبر “شبكة إحداثيات جاهزة” (كالمنظور)، بل يجعل العالم “يُولد” من جديد على اللوحة. وسيزان، على سبيل المثال، كان يرسم الأطباق والأكواب بزوايا “مشوهة” بمقاييس المنظور الكلاسيكي، لكنه كان يفعل ذلك لأنه يتبع حركة العين الحية وهي تكتشف الشيء من اتجاهات متعددة متداخلة. لذلك، يقول مارلو-بونتي إن القانون الأساسي للتصوير (الرسم) يجب أن يكون “الرؤية الخالصة والجسدية”، وليس “قوانين البصريات والهندسة”. الرسم يجب أن يظل وفياً للغموض الذي يكتنف علاقة عيننا بالوجود، والمنظور هو قيد عقلاني يُفسد هذا الغموض.

-” سياق أوسع من كتاب “العين والعقل”

في هذا الكتاب، يقول مارلو-بونتي إن “العلم يفكر في الأشياء، لكنه يتوقف عن السكن فيها”. وهو يرى أن المنظور الهندسي هو امتداد لهذا الفكر العلمي الفاحص الذي يقف “خارج” العالم. بالمقابل، الرسام هو الوحيد الذي يملك امتياز الدخول إلى قلب العالم ويسكن فيه عبر جسده وعينه، ولهذا، فإن فرض المنظور كقانون أسمى للتصوير هو بمثابة محاكمة للفن التشكيلي بقوانين غريبة عنه، وحرمانه من لغته الخاصة والأصيلة.

المراجع:

–  ميرلو-بونتي( موريس)، العقل والعين، ص28

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page

X