تقديم كتاب مالجمالية لمارك جيمنيز ترجمة شربل داغر

ما الجمالية؟ قراءة في فلسفة الفن ونقد الذوق عند مارك جيمينيز

يُعتبر كتاب “ما الجمالية؟” للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي مارك جيمينيز واحداً من أبرز المراجع الأكاديمية الحديثة التي تتبع تاريخ الفن وتطور الفكر الجمالي عبر العصور. ولا يقدم الكتاب مجرد رصد تاريخي جامد للمدارس الفنية المتلاحقة، بل يمثل رحلة فلسفية وسوسيولوجية عميقة تفكك الكيفية التي تحول بها الفن من مجرد طقس يدور في فلك المقدس أو محاكاة حرفية للطبيعة، إلى علم مستقل بذاته يُعنى بنقد الذوق وصناعة المعنى وتفكيك أبعاد الصورة.

تبدأ هذه الرحلة بتسليط الضوء على مفارقة جوهرية تتمثل في أن التعبير البصري والفني قديم قدم البشرية نفسها، غير أن علم الجمال كمصطلح وفلسفة مستقلة يعد ابتكاراً حديثاً نسبياً يعود لمنتصف القرن الثامن عشر على يد الفيلسوف الألماني ألكسندر باومغارتن. ويشرح جيمينيز كيف انتقل الفكر البشري تبعاً لذلك من فلسفة الفن التقليدية التي كانت تبحث عن ماهية الجمال المطلق والمثالي، إلى الجمالية المعاصرة التي تركز بالدرجة الأولى على تجربة التلقي الإنساني، وتدرس كيف يبني المشاهد استجابته الحسية والذهنية أمام الأثر الفني والعلامات البصرية.

ويتتبع المؤلف هذا المسار التاريخي مبيناً أن الفن في العصور القديمة والوسطى كان محكوماً بمحاكاة النظام الكوني أو خدمة الأبعاد الدينية، حيث لم يكن الفنان يسعى للتعبير عن ذاته الخصوصية بقدر ما كان يطمح لتجسيد الحقيقة المطلقة. إلا أن عصر النهضة والأنوار شهد انفصالاً جذرياً تحرر فيه الفن تدريجياً من السلطات الخارجية ليولد مفهوم الذاتية، حيث أضحى الجمال ينبع من تجربة الإنسان الفردية، وتأسست فكرة العبقرية الفنية المستقلة التي تعيد تشكيل العالم من منظورها الخاص وتمنحه أبعاداً تعبيرية جديدة.

ومع وصول الفن إلى استقلاله الكامل في القرنين التاسع عشر والعشرين تحت شعار الفن من أجل الفن، يطرح جيمينيز أسئلة إشكالية حول الحركات الفنية الحديثة والمعاصرة كالتكعيبية والسريالية والفن المفاهيمي. ويتساءل عن كيفية تفسير الجمالية الحديثة لأعمال فنية تخلت عمداً عن التناغم البصري التقليدي وصدمت ذوق المتلقي، ليصل إلى استنتاج مفاده أن الفن المعاصر لم يعد يهدف إلى المحاكاة البصرية المجردة، بل تحول إلى أداة معرفية ونقدية تكمن قيمتها الحقيقية في المعنى الباطن، وصناعة الدلالة، وإطلاق طاقة التخييل الجريء.

وفي الختام، لا يفصل جيمينيز الفن عن سياقه السياسي والاقتصادي نظراً لخلفيته كعالم اجتماع، بل يناقش تحديات الإبداع في عصر العولمة وما يسميه بالتسليع الفني، محذراً من تحول الفن إلى صناعة ثقافية خاضعة لقوانين السوق الاستهلاكية. ويرى أن الوظيفة الحقيقية للجمالية اليوم تكمن في حماية طاقة الفن التعبيرية والرمزية من أن تتحول إلى مجرد سلع ترفيهية عابرة، معيداً الاعتبار للعمل الفني بوصفه مساحة أصيلة للمقاومة الفكرية، وحرية التعبير، وإعادة بناء رؤيتنا للعالم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

You cannot copy content of this page

X